الصحوة الاسلامية ووسطية الاسلام ج2

عرض المقال
الصحوة الاسلامية ووسطية الاسلام ج2
3918 زائر
17-03-2013
القاضي برهون

الصحوة الاسلامية ووسطية الاسلام ج2

عرفنا خلال الصحة الاولى من موضوع " الصحوة الاسلامية " كيف أنها حركت الانسان من حيث هو إنسان ، ذكرا كان أم أنثى ، فأيقظت فيه إنسانية ، وجعلته يعي نفسه ، ويدرك دوره في الحياة . باعتباره إنسانا حيا ، عاقلا ، مفكرا . مدركا ومكلفا ، وكونها " ايمانية " أعادت له اعتباره كإنسان مكرم ، له من المؤهلات الانسانية ما يجعله قادرا على التكيف والتفاعل مع البيئة والحياة . أخذا وعطاء ، متأثرا ومؤثرا ، يقدم متى كان الاقدام افيد .ويحجم متى كان الاحجام أسلم ، إن المد الاسلامي أو (الصحوة الاسلامية ) أخذت في الظهور في جهات من الأرض منذ عقود من الزمن ، وكتب الله لها أن تجوب الاقطار ، من قطر الى آخر بكيفية أو بأخرى ، عبر كل وسيلة ممكنة من شأنها أن تعمل على إبراز ( الصحوة ) في الحس و التصور والفكر والواقع ، ولم تكن مفاجئة للعالم الغربي أو الشرقي عند الإسلاميين ، إذ القيادات الفكرية العالمية كانت متوقعة لهذه (الصحوة) . ومتنبئة بظهور انقلاب إسلامي عالمي كثورة إسلامية عالمية ثالثة ، كما جاء في كتاب " الاسلام اليوم " للعالم الامريكي "سميت" في الجامعة مونتريال الذي صدر في الخمسينات ونبه المسؤولين في بلاده إلى هذه الصحوة ، كما توقعها العالم الإنجليزي صاحب الشهرة الدولية " وات " ،كما جاء ذلك عنه في تحليله للاسلام في العصور الوسطى الذي تضمنه كتابه الصادر عام 1964 فقد توقع هذه الصحوة – ووصفها بأنها سوف تعود إلى إيديولوجية رابعة ، ستتحكم في العالم المعاصر في نهاية القرن الحالي ، وأخطر وثيقة في موضوع (الصحوة) تعود إلى عالم روسي هو : " تروجانوسكي " حين كتب مجموعة مؤلفات في أعقاب الثورة الشيوعية محاولا تقويم تلك الثورة ، ومتسائلا : متى وأين تأتي الثورة العالمية الثالثة ؟ بعد الثورتين العالميتين : الفرنسية والشيوعية ، مشيرا إلى أن كلتيهما قد فشلتا في ناحية معنية ، وأن العالم في حاجة إلى ثورة تصحيحية (قادمة) ، تستطيع تصحيح مسارات الحركة الانسانية عبر اقطار المعمورة ، إن هذه (الصحوة) التي تعم العالم كله في شكل ثورة عامة لن تأتي إلا من العالم الاسلامي (1) وإذا كانت تلك تنبؤات المفكرين من المشرق و المغرب عن الصحوة الاسلامية أو العودة إلى الدين ، فما ذلك إلا لاقتناعهم بفشل الأسس التي قامت عليها الثورتان الفرنسية والشيوعية والمسار المظلم الذي صارتا فيه ، ولم تستطيعا تصحيحه رغم وضع اليد على الدولاب العلمي الذي قاد الشرق و الغرب إلى التقدم الاقتصادي والتكنولوجي ، لاهمال الجانب الانساني وهو الجانب الروحي ، وذلك بالتنكر للدين ، والعمل بكل الوسائل على تشويهه واتهامه بالقصور وعدم مسايرته للحياة .

فالثورة الفرنسية رأت أن الخلاص من الكنيسة يستوجب الخلاص من الدين ، وغلفت أو تغافلت عن أن فساد الكنيسة لا يدل أبدا على فساد الدين ، والثورة الشوعية انطلقت أساسا من قناعة الحادية وهى أن الدين مجرد خرافة وأسطورة و ( افيون الشعوب) كما قال نبي الشيوعية (ماركس) ، قالها عن الكنيسة التي كانت مهيمنة على أوضاع الحياة الأوربية في عصره .

إن الصحوة الاسلامية انبعثت من جديد لتفيد إلى الإنسان – كل إنسان – عالمية التكريم والتفضيل المخبر عنهما في قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا " الاسراء . ولتؤكد حقوقه باعتباره إنسانا له حق التمتع بكافة الحقوق في الحياة ، والمأكل والمشرب والملبس ، والمسكن ، وفي التملك ، وحرية إبداء الرأي وما إلى ذلك من الحقوق ، كما أكدت ما عليه من واجبات نحو خالقه وأبويه ، وزوجته ، وبنيه ومجتمعه ، وسائر الناس ، باعتبار أن الصحوة الجديدة جددت في الإنسان شعوره بالتحرر من الخرافات ، والأساطير ، والشعوذات ، والتقليد ، والتبعية والاعتقادات الفاسدة ، في الأحياء وفي الأموات وفي كل مظاهر الكون ، فتنأى به عن الصواب .

و الصحوة إن كانت عالمية ، فمن عالمية الدعوة التي استلزمتها رسالة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، لتبليغ دعوة الله إلى الناس كافة وإقامة الحجة عليهم منذ أن خطابه ربه بقوله : " يا أيها المدثر قم فأنذر " وبقوله : " فاصدع بما تومر " الحجر . وبقوله : "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته " المائدة .

وقد ألقى صلى الله عليه وسلم مسؤولية التبليغ على أمته بقوله : " بلغوا عني ولو آية " .

والصحوة الاسلامية عودة لحياة الطهر والصفاء ، وهي من إرادة الله الذي شاء أن يبعث في البشرية الحياة من جديد ، الحياة الروحية ، بعد أن طغت عليها الحياة المادية ، حياة التوزان و الاسلام دين التوازن وفيه تلتقي مجموعة من القيم ، وفي الإسلام يتلقي الدين بالعلم ، ولكنه لا يلتقي فيه التوحيد بالشرك ، والمعروف بالمنكر ، والحلال بالحرام ، والكذب بالصدق ، والحق بالباطل ، والنور بالظلام ، والهدى بالضلال ، والعدل وبالجور ، والخير بالشر ، والكبر بالتواضع ، والإنفاق بالبخل ، والإفساد بالإصلاح ، وإنما تلتقي فيه الكلمة والإيمان والسلوك والعمل لتكون وحدة كاملة في فكر المسلم تجمع بين النظرية و التطبيق ، وإلا كانت مجرد ركام في الفكر والتصور ، لا وجود لها في واقع الحياة .

والصحوة إن لم تحي في حس الإنسان هذا المفهوم كانت خيالا عابرا ، مس بالمظهر ولم يمس بالمخبر والجوهر . والصحوة يجب ترشيدها وتقويمها لا مقاومتها ورفضها والوقوف في طريقها . لتكون نورا يستظئ به الإنسان في إدارة حياته ، وفي الحياة أخذ وعطاء في كل المجالات .

وغير خاف أن الصحوة انبعاث للشعور الإنساني أنى كان ليعتقد أن هذا الكون بكل ما فيه ومن فيه مخلوق مدبر من قوى غيبية مهيمنة عليه ومدبرة له ، يظهر أثرها جليا في عالم الإحياء ، والكون والحياة في سائر الموجودات هي (الله) الواحد الأحد ، المألوه والمعبود وحده ، يألهه من في السموات والأرض .

ومن عالمية الإسلام ، انبعثت عالمية الصحوة منادية من جديد : أن الدين واحد على لسان جميع الأنبياء " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " الشورى .

والدين في حقيقته اسلام الوجه لله . والاذعان والخضوع والانقياد له وحده ، وإخلاص العبادة له ، وتوحيده وتنزيهه عما لا يليق بجلاله من الأسماء والصفات ، من الحلول والاتحاد وهي أصول بعث بها سائر الأنبياء والرسل والتقت عندها كل الأديان والسماوية لأن مصدرها واحد .

فالصحوة إذا بعث إسلامي ، يحيي في الانسان شعوره بأن الدين من عند الله وليس ظاهرة من الظواهر الاجتماعية ، ومن نتاج الأرض ، وليس هو " أفيون الشعوب " ، وإنما هو هدى ونور ورحمة لكافة الناس ، به يسعدون وبعدمه يضلون ويشقون ، إن أمر بتوحيد الله فلمواجهة الشرك و الوثنية والتعدد ، وإن رغب في العلم واوجب تلقيه فلمواجهة الجهل المفضي إلى عداوة العلم ، وإن أعلن أن الإسلام عقيدة وشريعة فللتكامل الحاصل بينهما ، إذ كلاهما من صميم الدين ، ولا دين بدونهما .

وإن رغب في العمل الجاد المثمر للدنيا وللآخرة وعلق عليه الثواب الجزاء ، فلما تستوجبه كل منهما من تضحيات وأعمال متواصلة تقوم بها الأولى ، وتنال بها الثانية ، وإن نادى بوجوب التآخي بين المسلمين ، فلما يعقبه من تعاون وتكافل وتناصح وتواص ، إن توفرت كانت سببا في عمارة الأرض ونشر الحضارة بها طريقه إلى الله ، بعد أن عتى وطغى وتجبر وتسلط وتكبر واستعلى واستعصى على توجيهات الوحي ، فلم يستجب لأمر ولا لنهي ، ولم يقم وزنا للاعتقاد ، ولا للعبادة ، ولا للأخلاق ولا للسلوك ولم ينضبط بضوابط الشرع .

وفي ترشيد الصحوة يكون الاتزان و الاعتدال في كل أمر من أمور الإنسان في الحياة ، وبذلك تصحح مفاهيم الناس ، في الكون والدين والحياة ، فلا انزواء ولا تطرف ولا غلو ولا تفريط ولا إفراط في التصور والفكر والفهم وفي التطبيق والواقع .

فالصحوة يجب استثمارها في صقل الأفكار ، وتنظيف العقول ، وارهاف المشاعر ، وتصحيح المفاهيم وبناء الشخصية الإنسانية الإسلامية ، ومن هذه الأسس ينطلق تصحيح مسار الإنسان في الحياة وإذا كان الباطن نقيا صافيا كان الظاهر نظيفا مستقيما ، وإلا كانت الصحوة انبعثت لتؤكد تلوث الحياة بركام من التصورات والاعتقادات والأفكار والأقوال والأفعال والممارسات .

ولا صحوة إن بقي ما كان على ما كان ، فهي إذن من الإنسان وإلى الإنسان .

(1) أشار إلى هذا الدكتور حامد ربيع في مجلة الأمة عدد ربيع الأول 1404هـ.

بقلم الشيخ : القاضي برهون


   طباعة 
0 صوت
الصحوة , الاسلامية , ووسطية , الاسلام
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
بادروا بالحج - ركــــن الـمـقـالات
أصول الفقه المالكي
Powered by: MktbaGold 6.6
تابعنا على
يتواجد حاليا بالموقع 14 التفاصيل